مصطفى صادق الرافعي

78

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الأدبية التي تلائم الفطرة في مختلف أزمانها ، ولا يقرر الأخلاق تقريرا وضعيّا على أسلوب الكتب والمصنفات ، فيضعها على أن لها قواعد وضوابط وأشباه القواعد والضوابط ، مما هو مثار الاختلاف ومبعث الفرقة في مذاهب الحكماء ، ومما لا تكون الآداب معه إلا معادة على الناس في كل عصر بنوع من التنقيح وضرب من التغيير يناسبان اختلاف كل عصر عن الذي قبله ، بل أن المعجزة في هذه الآداب الكريمة أنها تقرر الأخلاق تقريرا عاما ، فيصفها القرآن على أنها هي القواعد لغيرها ، والضوابط لما يبتنى عليها ، ويوردها في أحسن الحديث ؛ ويعترض بها وجوه القصص ويقلّبها مع أغراض الكلام ثم لا يكون في ذلك وجه من وجوه الخلاف بينها وبين الفطرة الإنسانية ، على ما في تلك الآداب من الإطلاق ، وعلى أنها غير ملحوظ فيها دولة بعينها أو أمة بأوصافها ، أو نحو ذلك من ضروب الحدّ والتعيين ؛ فليس فيها من روح الزمن إلا روح الزمن كله بحيث لا يتأتى للفيلسوف ولا المؤرخ إلى أن يردها أحدهما أو كلاهما في جملتها إلى عصر بعينه لا تعدوه ، أو يقصرها على حدّ تقف عنده الإنسانية وتتقدم بغيرها مما يقال فيه إنه الأصلح أو الأنفع ، ولو أن الدهر قد فني ثم نزع من كل أمة شهيد وعرضت عليهم آداب القرآن فقبلوها بفضائل آدابهم واعترضوا بعض ذلك ببعضه ثم قيل هاتوا برهانكم عليها ، لأقرّ الزمن بألسنتهم جميعا أنها الحق وأن الحق للّه . من أجل ذلك تجد الخطاب الأدبي مطلقا في القرآن كله كأنه نظام إنساني عامّ لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله ، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة وبين مقدار الحرية التي تنال بها ، ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي ، فإن إطلاق الحرية عبث ، وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار ، ولو سوغت كلّ أمة أن تقارف ما تريد بمقدار ما يهيئ لها ضعف غيرها من الحرية في بسط يدها لكان من ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير . وإن كل أمة اضطربت فيها الموازنة بين الحرية والمنفعة ، فإنما يكون ذلك حاضر تاريخها مبدأ العبودية لغيرها ؛ وهذا الأصل أرقى ما انتهت إليه علوم الاجتماع لهذا العهد . وكذلك كل ما في آداب القرآن الكريم من الأمر والنهي ، فإنما يراد به ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بيّن ؛ ولولا ذلك ما كانت هذه الآداب زمنية تحيي روح الزمن كله ، بل لكانت من غير هذا العالم ، فلا يستقيم لها بشيء ولا تستقيم هي لشيء « 1 » ثم لا تكون في الناس إلا عنتا وإرهاقا ولا يتهيأ معها صرف ولا عدل ، ولا يكون منها في الزمن إلا اسمها ، وإلا الخبر أنها كانت يوما فتلحق في التاريخ بباب الفضائل الذي لا يلجه إلا القليل ، مع أن وراءه كل أسماء الحكماء والفلاسفة . والإنسان إنما يصرّف ما يشاء من النواميس الثابتة لعالم المادة فيما يرجع بالنفع

--> ( 1 ) كما ترى فلسفة بعض الحكماء الخياليين في الأعلى ، أو الحيوانيين في الأسفل .